الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
201
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وهذا لا ينافي عمومية مفهوم الآية ، ولا ينافي مورد نزولها أيضا ( علماء أهل الكتاب ) ولهذا اتجه علماؤنا في الفقه والأصول عند بحثهم موضوع الاجتهاد والتقليد إلى ضرورة ووجوب أتباع العلماء لمن ليست له القدرة على استنباط الأحكام الشرعية ، ويستدلون بهذه الآية على صحة منحاهم . وقد يتساءل فيما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في كتاب ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) ) : أن علماء في مجلس المأمون قالوا في تفسير الآية : إنما عني بذلك اليهود والنصارى ، فقال الرضا ( عليه السلام ) : " سبحان الله وهل يجوز ذلك ، إذا يدعونا إلى دينهم ويقولون : إنه أفضل من الإسلام . . . " ثم قال : " الذكر رسول الله ونحن أهله " ( 1 ) . وتتلخص الإجابة بقولنا : إن الإمام قال ذلك لمن كان يعتقد أن تفسير الآية منحصر بمعنى الرجوع إلى علماء أهل الكتاب في كل عصر وزمان ، وبدون شك أنه خلاف الواقع ، فليس المقصود بالرجوع إليهم على مر العصور والأيام ، بل لكل مقام مقال ، ففي عصر الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) لابد من الرجوع إليه على أساس إنه مرجع علماء الإسلام ورأسهم . وبعبارة أخرى : إذا كانت وظيفة المشركين في صدر الإسلام لدى سؤالهم عن الأنبياء السابقين وهل أنهم من جنس البشر هي الرجوع إلى علماء أهل الكتاب لا إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فهذا لا يعني أن على جميع الناس في أي عصر ومصر أن يرجعوا إليهم ، بل يجب الرجوع إلى علماء كل زمان . وعلى أية حال . . فالآية مبينة لأصل إسلامي يتعين الأخذ به في كل مجالات الحياة المادية والمعنوية ، وتؤكد على المسلمين ضرورة السؤال فيما لا يعلمونه ممن يعلمه ، وأن لا يورطوا أنفسهم فيما لا يعلمون .
--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 3 ، ص 57 .